ما هو تكوين الصورة في التصوير الفوتوغرافي؟

إذا كان التصوير الفوتوغرافي بتعريفه الأبسط هو نقل عناصر ثلاثية الأبعاد وتمثيلها بشكل ثنائي الأبعاد، فإن تكوين الصورة (Composition) هو وضع العناصر المختلفة المُكوِّنة للصورة بشكل يجعل الصورة تروى قصةً، أو بتعريف آخر أكثر عمليةً، هو القرارات التي تتخذها كمصوِّر بشأن وضع العناصر التي ترغب في ضمّها إلى صورتك.

قد يعتقد البعض للوهلة الأولى أن تكوين الصورة أمر سهل، لكن في الحقيقة هو ليس كذلك. تكوين الصورة قد يكون أحد أصعب عناصر التصوير، إن لم يكن أصعبها على الإطلاق. والتكوين غير الجيد للصورة قد يُقلِّل كثيراً من جمالها ، حتى لو اكتملت كل عناصر الصورة الأخرى.

لماذا تكوين الصورة شيء بالغ الأهمية في التصوير؟

كمصوِّر محترف، لابد أنك على دراية بالعديد من الإعدادات التقنية المُستخدَمة في التصوير كمثلث التعريض، وفتحة العدسة، وسرعة الغالق، والـ ISO وتوازن الأبيض وغيرها، هذه الإعدادات من الممكن اعتبارها الجانب التقني من التصوير التي يجب إجادته من أجل إخراج صور دون عيوب تقنية.

لكن الجانب الأهم -والأكثر تحدِّياً- هو كيفية تكوين صورتك واختيار ما سيظهر في كادر الكاميرا وما لن يظهر، وماذا سيظهر بجوار ماذا. باختصار، تكوين الصورة هو ما يجعل لقطةً ما فريدةً ومختلفةً عن غيرها، وهو ما يجعل من إحدى الصور تحفةً فنيَّة تصلح للعرض في معارض التصوير، ويجعل من أخرى مجرد صورةً عفوية رُبَّما تجد أو لا تجد طريقها نحو حساب إنستغرام مغمور.

أهم قواعد تكوين الصورة

ثمَّة مقولة شائعة متداولة بين المصورين، وهي أن القاعدة الوحيدة في التصوير هي أنه ليس ثمَّة قاعدة. الخروج عن المألوف، وكَسر ما هو مُتعارف عليه، والإتيان بأفكار مُبتكرة غير تقليدية، هو ما قدَّم لنا أعظم مصوري التاريخ. مع ذلك، ثمَّة مجموعة من القواعد أو المبادئ الإرشادية الأساسية لتكوين الصورة يجب على كل مصور محترف الإلمام بها، حتى لو لم يكن ينوي الالتزام بها.

تكوين الصورة الجيد يتجاوز أبعد من مجرد التركيز على موضوع الصورة الأساسي. فالعناصر المساعدة في الصورة، وموضعتها بجانب موضوع الصورة الأساسي، وطريقة تقديمها، كلها عناصر مهمة لإخراج صورة جيدة ومُرضِية بصرياً.

في السطور التالية نستعرض أهم هذه القواعد بشكل مختصر. تذكّر أن ما سنعرضه هو مجرد خطوط عريضة يمكنك استخدامها كما هي أو تعديلها أو استخدامها منفردةً أو دمجها مع بعضها البعض لتتواءم مع أهدافك، كما يمكنك نبذها تماماً ووضع قواعدك الخاصة إذا كانت لديك رؤيةً فنيّةً ما تسعى لتحقيقها.

قاعدة التثليث (Rule of thirds)

قاعدة التثليث أو قاعدة الأثلاث (Rule of thirds) ربما تكون القاعدة الأكثر شهرةً على الإطلاق من قواعد تكوين الصورة في التصوير الفوتوغرافي. ظهرت قاعدة التثليث بعد أن لاحظ العديد من المصورين أن جعل موضوع الصورة في الوسط تماماً (كما يفعل المصورون المبتدئون) لا يُعطي أفضل النتائج. عوضاً عن ذلك، إذا تم رسم خطّين أفقيين وخطّين رأسيين (كلها خطوط تخيلية) على الصورة كالآتي:

فإنه يُمكن الحصول على صور جيدة جداً عن طريق وضع العنصر الأساسي في المشهد في إحدى نقاط التقاء تلك الخطوط، كما في المثال التالي الذي نرى فيه أن المصوِّر قد اختار وضع بتلة الزهرة في نقطة التقاء الخط الرأسي الأيمن مع الخط الأفقي العلوي:

كما من الممكن وضع العنصر الأساسي على طول أحد الخطوط الأفقية أو الرأسية، كما في الصورة التالية مثلاً التي يظهر فيها عنق الطائر على امتداد الخط الرأسي الأيسر، ومنقاره على امتداد الخط الأفقي العلوي:

قاعدة التثليث باختصار هي: لا تضع العنصر الأساسي للصورة في وسطها تماماً، استخدام قاعدة التثليث بشكل صحيح يضمن جذب الأنظار إلى موضوع صورتك، ويجعل صورتك أكثر إمتاعاً بصرياً.

أخيراً، الجدير بالذكر أن غالبية الكاميرا الرقمية، وحتى الهواتف النقالة تتضمن إعداداً يُمكن تفعيله بسهولة، أو مُفعَّل افتراضياً حتى، لإضافة شبكة (Grid) لتسهيل تطبيق قاعدة التثليث:

كسر قاعدة التثليث: قاعدة التكوين المركزي (Center composition)

كما ذكرنا سابقاً، القاعدة الوحيدة في التصوير هي أنه ليس ثمَّة قاعدة. وحتى قاعدة التثليث الشائعة من الممكن كسرها في العديد من أنواع الصور لأغراض فنية، مثل الصورة التالية:

في الصورة السابقة اختار المصور وضع النبتة في وسط الصورة تماماً لإظهار التماثل الأفقي والرأسي لبتلاتها. واختياره هذا -كما هو واضح- كسر صريح لقاعدة التثليث كما شرحناها. في الواقع كسر قاعدة التثليث يقود إلى قاعدة جديدة وهي قاعدة التكوين المركزي للصورة (Center composition). وهو أسلوب مُفضَّل بشكل خاص عندما يكون ثمَّة تماثل رأسي أو أفقى (المثال الأشهر هنا هو صور انعكاس الأشياء في الماء)، أو حتى عندما يكون ثمَّة تماثل مائل، مثل هذه الصورة الفريدة:

الخطوط الموجَّهة (Leading Lines)

يمكن للمصوِّر استغلال الخطوط الموجَّهة (Leading Lines) الموجودة في الصورة لتوجيه العين -وبالتالي الانتباه- إلى عنصر مُعين فيها، الخطوط المُتقاطعة كتلك الموجودة في الصورة التالية العامرة بالخطوط، تؤدي مباشرةً إلى توجيه عين المشاهد إلى نهاية النفق، وتلخص متعةً بصريةً من نوع خاص:

وهو ما يُمكن ملاحظته أيضاً في هذه الصورة الأبسط:

والخطوط الموجَّهة ليست حكراً على الخطوط المستقيمة فقط، فمن الممكن أن تكون منحنيةً أيضاً كالصورة التالية:

قد يكون العثور على خطوط مُوجَّهة نحو الاتجاه الذي يرغب فيه المصور صعباً، وقد يحتاج إلى الكثير من المحاولات وزوايا التصوير، لكن عندما تحصل على الخطوط كما رتَّبتها في ذهنك، ستكون بالتأكيد أمام صورة مذهلة تستحق العناء.

توازن الصورة (Image balance)

توازن الصورة مرتبط بتماثلها تناظرياً، ولكنه في الواقع مفهوم أوسع كثيراً. لنبدأ أولاً بالحديث عن التوازن المتماثل (Symmetrical balance) ثم نتطرق إلى أنواع التوازن الأخرى.

أن تُقرر ما إذا كانت صورتك ستكون متوازنة تماثلياً أم لا له تأثير كبير على قصّتك، الصور المتوازنة تماثلياً تثير في النفس عادةً عدّة أنواع من الشعور تتراوح بين السكون والسلام والهدوء والاطمئنان والثبات والكمال، مثل الصورة التالية:

أما عندما يُفقَد هذا التوازن التماثلي، فإن المشاعر تميل إلى الديناميكية والعدائية والصخب والاضطراب والحركة والنقص، مثلما حدث في الصورة التالية غير المتوازنة تماثلياً:

ليس ثمَّة خيار أفضل من الآخر أو صواب وخطأ فيما يتعلق بالتوازن التماثلي، وإنما يعتمد الأمر برمّته على القصة التي يرغب المصور في روايتها.

كما ذكرنا سابقاً، لا يقتصر التوازن على التماثل التناظري (Symmetrical balance) فقط، وإنما قد يكون توازناً لونياً (Color balance) كما في الصورة التالية مثلاً التي تتدرج فيها السماء من الأزرق إلى السماوي إلى البرتقالي المشوب بالحمرة، ويحدث نفس الأمر أيضاً مع السُحب بصورة معكوسة لنحصل على صورة متوازنة لونياً:

 أو توازناً مفاهيمياً (Conceptual balance)، حيث يكمن التوازن في ما يُمثِّله كل عنصر من عناصر الصورة. مثل تلك الصورة التي تبرز التناقض بين الثراء والفقر:

تحديد أين تُقَصّ الصورة

ينبغي أن يكون المصور حكيماً عندما يُحدِّد أين تبدأ صورته وأين تنتهي، قَصّ الصورة في موضع خاطئ قد يُفسد صورةً جميلةً جداً، ويجعلها غير مريحة بصرياً، ويصرف انتباه المُشاهد عن الموضوع الرئيسي لها، انظر الى هذه الصورة التي تبدو على ما يرام في كل شيء عدا تفصيلة بسيطة قلَّلت كثيراً من جودتها:

كما خمَّنت، قص ذيل القطة جعل الصورة غير مريحة بصرياً، وأفقد اهتمامنا بموضوعها الرئيسي، وهو ما يمكن إصلاحه بسهولة كبيرة عند إعادة الجزء الناقص إلى الصورة:

وضع عنصر بشري في الصورة:

وضع عنصر بشري في الصورة لا يضيف فقط عنصراً جديداً إليها، وإنما قد ينقلها نقلةً نوعيةً كبيرةً. أبعاد الجسم البشري مألوفة للعين، لذا فعندما تشتمل الصورة على عنصر بشري، تستطيع العين سريعاً تخيل أبعاد العناصر الموجودة فيها، تأمل هذه الصورة مثلاً للصحراء:

الصورة جميلة ومهيبة بطبيعة الحال، لكن عندما يوضع فيها عنصر بشري، تزداد هيبة الصورة ويزداد الإحساس برحابة الصحراء وسكونها وربما أيضاً تثير في النفس بعض مشاعر الخوف:

ثمَّة العديد والعديد من عناصر تكوين الصورة الأخرى غير المذكورة أعلاه، حيث لا يتّسع المقام لجمعها كلها، لكن ما جمعناه هو أهم تلك العناصر، ويُمكنك البدء في البناء عليها وتعديلها أو حتى مخالفتها وكسرها ووضع عناصر صورتك بنفسك تذكر: القاعدة الوحيدة في التصوير هي أنه ليس ثمَّة قاعدة، لذا لا تخش شيئاً ولا تدع أي قواعد تُعيق إبداعك!

في فوتولت، نُقدّم مجموعة متنوعة من الدّورات التّدريبيّة للأفراد المُهتمّين باكتساب الخبرة في مجال التّصوير على أيدي مُتخصّصين رفيعي المُستوى، تتميّز برامجنا التّدريبيّة بالتّركيز على الجانب العمليّ في تعلّم التّصوير وكُلّ ما يتصل به من استخدام للكاميرات، وتعلّم كيفيّة ضبط إعداداتها بشكلٍ صحيح، ومبادئ الإضاءة، واستخدام إكسسوارات التّصوير، واستخدام برامج تعديل الصّور والمونتاج المرئيّ.

مشاركة المقال:

مقالات ذات صلة