لطالما كان تصوير الأشخاص واحداً من أكثر مواضيع التّصوير الفوتوغرافي شعبيةً مُنذ اختراع التّصوير قبل مئتي عام. يُطلق على تصوير الأشخاص في الوقت الحالي “البورتريه” (Portrait) وهي كلمة ذات أصل فرنسي كانت تُستخدم قديماً للإشارة إلى اللوحات المرسومة، والتي كانت في الغالب لوحات طوليّة تصوّر أشخاصاً من النّبلاء. والبورتريه في عالم التصوير الفوتوغرافي اليوم هو صورة موضوعها الأساسي وجه شخص واحد، أو وجهه مع نصفه العلويّ على الأكثر.
تصوير البورتريه قد يبدو للوهلة الأولى أحد أسهل مواضيع التّصوير، فمُعظم الكاميرات، بداية من كاميرات الهواتف المحمولة، مروراً بكاميرات الديجتال (Point-and-shoot) وصولاً إلى كاميرات DSLR والكاميرات عديمة المرآة الاحترافيّة ( mirrorless camera )، مُعدّة افتراضياً للحصول على أفضل صور ممكنة للأشخاص في مُختلف ظروف التّصوير، ﻷنّه ببساطة الموضوع الأكثر شعبية بين مُستخدمي تلك الكاميرات. لكنّ بعض المعرفة البسيطة قد تنقل صور البورتريه التي يلتقطها أيّ شخص نقلةً نوعيةً كبيرةً جداً. في السّطور المُقبلة ستعرف كيف ذلك.
أي عدسة ستستعمل؟
في واقع الأمر، لا توجد عدسة واحدة مُتّفق عليها بين مصوري البورتريه كأفضل عدسة لتصوير الأشخاص، أيّ عدسة تقريباً ستؤدي الغرض وستلتقط صور بورتريه رائعة، استخدام أنواع مُختلفة من العدسات سيؤدي فقط إلى إنتاج أنواع صور مُختلفة. لذا لن تكون أمامك تقييدات كبيرة في ما يخص اختيار العدسة.
الاختيار بين عدسة البرايم (Prime lens) وعدسة الزّوم (Zoom lens) يرجع تماماً لتقديرك. ستمنحك عدسة البرايم صوراً أكثر حدّة ووضوحاً حتّى في ظروف الإضاءة السّيئة، كما أنها أخف وزناً وحجماً وأكثر اعتماديّة. أمّا في عدسات الزّوم فستُضحي قليلاً بحدّة وجودة الصورة، وستكون أثقل وأكبر حجماً، لكنّها في المُقابل ستمنحك مرونةً أكبر، وستُسهّل عليك التقاط صور البورتريه العفويّة مثلما هو الحال في الحفلات والمُناسبات ﻷنّك ستستطيع التّحكم ببُعدها البؤري بسهولة، على عكس عدسات البرايم التي تُناسب أكثر لجلسات التّصوير في الأستوديو.
لن تحتاج لعدسة أوسع من 35 ملم لتصوير البورتريه، بل إنّ بعض المصوّرين يرون أن عدسات 35 ملم أوسع من اللازم لتصوير الأشخاص. لكن على أيّ حال رُبمّا تحتاج إلى هذا الاتّساع إذا ما قرّرت تصوير بورتريه عائلي.
عدسة 50 ملم ستكون من أفضل العدسات لتصوير البورتريه، خصوصاً للمصوّرين المُبتدئين نظراً لتعدد استعمالاتها. بينما يٌفضّل العديد من مصوري البورتريه المحترفين عدسات 85 ملم لأنها الأفضل على الإطلاق في الحصول على صور أكثر حدّة عن طريق استعمال سرعة غالق عالية دون الحاجة لزيادة الـ ISO كثيراً. أما العدسات ذات البُعد البؤري الأكبر (بين 85 ملم إلى 200 ملم) فليست الأفضل لتصوير البورتريه، لكن ميزتها الأكبر ستكون قدرتها على التّصوير الأشخاص عن بُعد والحصول على خلفيّة مطموسة (Blurred) أكثر من أيّ عدسة أخرى.
إعدادات الكاميرا
للحصول على صورة بورتريه بعمق مجال (DOF) ضيّق (Shallow depth of field) ستحتاج إلى فتحة عدسة f/2.8 أو f/2 مثلاً، ستمنحك فتحة العدسة هذه خلفيّة مطموسة ناعمة وسيكون التركيز في الصّورة على الشّخص نفسه. اختيار فتحة عدسة متوسّط مثل f/5.6 سيُقلّل كثيراً من نعومة الخلفيّة، أمّا إذا اخترت فتحة عدسة صغيرة جداً مثل f/11 أو f/16 فسيتلاشى تماماً تأثير الخلفية النّاعم.
أمّا بالنّسبة لسُرعة الغالق فيستوجّب عليك تحديدها بنفسك بحسب ظروف الإضاءة، إذا كانت ظروف الإضاءة جيّدة فاستخدم سُرعة غالق 200 أو 100.
بخصوص الـ ISO فالأفضل تقليله قدر الإمكان لتجنّب تأثير الصّورة المُحبّبة. لكن بالطّبع ستحتاج إلى ظروف إضاءة جيّدة لاستخدام ISO منخفض.
أخيراً، للحصول على أفضل صور بورتريه، ينصح المصوّرين المُحترفين بضبط تركيز الصورة على الأعين ﻷنّها أهمّ عنصر في أي صورة بورتريه، ولوجود الكثير من التّفاصيل الدّقيقة بها، خصوصاً إذا كُنت تصوّر بورتريه سيُطبع بأحجام كبيرة.
الإضاءة.. الإضاءة.. الإضاءة
كما هو الحال في كُلّ أنواع التصوير الفوتوغرافي، الإضاءة هي العامل الأكثر حسماً في إخراج صورة جيّدة، إذا كُنت تُصوّر البورتريه في بيئة يتم التّحكم في إضاءتها فستكون مهمّتك أكثر سهولة، حيث ستتمكّن من المُفاضلة بين الإضاءة الجانبيّة أو الأماميّة واستخدام العواكس للحصول على ظلال أكثر نعومة، تذكّر أن الوجه ملئ بالتّفاصيل التي تستجيب بصورة كبيرة جداً للإضاءة، خصوصاً الأنف ومنطقة تحت العينين.
التّصوير في إضاءة طبيعيّة سيكون أكثر صعوبة بقليل، لكن من الممكن في الواقع للمصّور الموهوب الاستفادة من الإضاءة الطّبيعيّة إذا ما كان وقت التّصوير بعيداً عن فترة الظّهيرة، استغلال الإضاءة الطّبيعيّة في الحصول على إضاءة جانبية للشّخص هو الأسلوب الأكثر تفضيلاً في البورتريه. أمّا عند التّصوير وقت الظّهيرة في الأيام المشمسة، فمن الأفضل اللجوء إلى منطقة ظليلة مع استخدام عاكس لإنارة الوجه لأنّ الشّمس ستصنع ظلالاً غير مُحبّبة على الوجه.
قد يبدو اختيار الإضاءة المناسبة أمراً مُربكاً في البداية، لكن مع الاعتياد على تصوير البورتريه ستتعلّم كيفيّة العثور على أفضل إضاءة ممكنة سريعاً ، فقط جرّب كُلّ ما يمكنك تجربته، وراجع صورك لمعرفة أفضل ظروف الإضاءة الممكنة.
توجيه الشّخص لوضع التّصوير
الإنسان هو موضوع التصوير يُمكن التّحكم به بشكل كبير جدّاً، فعلى عكس الجمادات والنباتات وحتّى الحيوانات، يُمكنك كمصّور إلقاء تعليمات دقيقة للشّخص الذي تصوّره، يمنحك هذا مرونة كبيرة في التّصوير، لكنّه في نفس الوقت يفتح باباً من الاحتمالات اللانهائيّة أمامك.
لدى الكثير من الأشخاص رهبة من أن يتمّ التقاط صور لهم، ولا يعرف الكثير من الأشخاص أوضاع التّصوير الأفضل، أو تلك التي تتلاءم معهم بأفضل شكل. لذا فإنّ مهمّة المصّور هي إرشادهم لأفضل الأوضاع الممكنة.
مُجرّد وجود ميل بسيط جداً في زاوية التّصوير سيُنتج صورة مُختلفة تماماً عن التقاط صورة من الأمام مُباشرة، وصورة أثناء الجلوس ستكون مختلفة عن صورة وقوفاً. والأكثر إرباكاً أنّه ليس هُناك قاعدة تنطبق على الجميع بهذا الشّأن، فالملامح المختلفة، وأشكال الجسم المختلفة، تتطلّب أوضاع تصوير مُختلفة للحصول على أفضل صورة للشّخص. لذا ستحتاج -على الأرجح- لتجربة أوضاع تصوير مختلفة حتّى الوصول إلى أفضل صورة.
إذا كُنت في جلسة تصوير لعارضة مُحترفة، سيكون الأمر أسهل عليك كثيراً، إذ أنّ هُناك مجموعة من وضعيات التّصوير المعروفة مُسبقاً، والتي تُجيد غالبية العارضات اتّخاذها في العادة. مثل وضعيّة الالتفاف ¾ دورة، والوقوف مع إمساك السُترة باليد، وإمساك الخصر باليدين.. إلخ.
تصوير البورتريه بالأبيض والأسود

Photo by aku Arias on Unsplash
تصوير الأشخاص باللونين الأبيض والأسود شائع جداً للحصول على صور بورتريه ذات طابع فنيّ أكثر وضوحاً. ازدادت شعبيّة التّصوير بالأبيض والأسود منذ سبعينيات القرن الماضي، رُبّما كدعوة حنين لروح الماضي عندما لم يكن التّصوير بالألوان قد انتشر بعد وكان التّصوير لأكثر من قرن ونصف يتمّ بالأبيض والأسود فقط، أو كاحتجاج مُبطّن على نزعة الاستهلاك التي كان من أهمّ خواصّها البصريّة استخدام الألوان الصّارخة في إعلانات المُنتجات الاستهلاكيّة.
يقول المصوّر الكندي الشّهير تيد غرانت: “عندما تصوّر الأشخاص بالألوان، فأنت تُصوّر ملابسهم. ولكن عندما تصوّر الأشخاص بالأبيض والأسود، فأنت تُصوّر أرواحهم!”.
يُمكنك إمّا التّصوير بالأبيض والأسود داخل الكاميرا نفسها، حيث تُتيح معظم الكاميرات الحديثة خاصيّةً داخليّةً للتّصوير بالأبيض والأسود. أو يُمكنك التّصوير بالألوان ومن ثمّ استخدام أحد برامج تعديل الصّور للحصول على نفس النّتيجة السّابقة.
عند تصوير البورتريه بالأبيض والأسود، ركّز على العينين أيضاً، واختر خلفيّة بسيطة أُحاديّة اللون، ولإضفاء طابع كلاسيكي على الصّورة يُمكنك رفع مستوى الـ ISO للحصول على تأثير مُحبّب للصّورة (نفس التّأثير الذي كُنّا نحاول تجنبّه في الصور الملوّنة)، وأخيراً انتبه أكثر للإضاءة لأنّها ستكون كُلّ شيء في صور الأبيض والأسود.


